فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال السمرقندي:

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} يعني: إلاَّ ما قضي لنا وقدر علينا من شدة أو رخاء، ويقال: {إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا}، يعني: في اللوح المحفوظ؛ ويقال: {إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} في القرآن وهو قوله تعالى: {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة يقاتلون في سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التوراة والإنجيل والقرءان وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وذلك هُوَ الفوز العظيم} [التوبة: 111] ثم قال: {هُوَ مولانا}، أي ولينا وناصرنا وحافظنا.
{وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون}، يعني: وعلى المؤمنين واجب أن يتوكلوا على الله؛ ويقال: وعلى الله فليثق الواثقون. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}
فيه وجهان:
أحدهما: إلا ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ أنه يصيبنا من خير أو شر، لا أن ذلك بأفعالنا فنذمّ أو نحمد، وهو معنى قول الحسن.
والثاني: إلا ما كتب الله لنا في عاقبة أمرنا أنه ينصرنا ويعز دينه بنا.
{هُوَ مَوْلاَنَا} فيه وجهان:
أحدهما: مالكنا.
والثاني: حافظنا وناصرنا.
{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي على معونته وتدبيره. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {قل لن يصيبنا} الآية.
أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يرد على المنافقين ويفسد عليهم فرحهم بأن يعلمهم أن الشيء الذي يعتقدونه مصيبة ليس كما اعتقدوه، بل الجميع مما قد كتبه الله عز وجل للمؤمنين، فإما أن يكون ظفرًا وسرورًا في الدنيا وإما أن يكون ذخرًا للآخرة، وقرأ طلحة بن مصرف {قل هل يصيبنا}، ذكره أبو حاتم، وعند ابن جني وقرأ طلحة بن مصرف وأعين قاضي الري {قل لن يصيِّبنا} بشد الياء التي بعد الصاد وكسرها كذا ذكر أبو الفتح وشرح ذلك وهو وهم، والله أعلم.
قال أبو حاتم: قال عمرو بن شفيق سمعت أعين قاضي الري يقرأ {قل لن يصيبنا} النون مشددة، قال أبو حاتم: ولا يجوز ذلك لأن النون لا تدخل مع لن، ولو كانت لطلحة بن مصرف لجازت لأنها مع {هل}، قال الله عز وجل: {هل يذهبن كيده ما يغيظ} [الحج: 15] وقوله: {كتب الله} يحتمل أن يريد ما قضى وقدر.
ويحتمل أن يريد ما كتب الله لنا في قرآننا علينا من أنّا إما أن نظفر بعدونا وإما أن نستشهد فندخل الجنة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الاحتمال يرجع إلى الأول وقد ذكرهما الزجّاج، وقوله: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}، معناه مع سعيهم وجدهم إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا قول أكثر العلماء وهو الصحيح، والذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، مدة عمره ومنه مظاهرته بين درعين، وتخبط الناس في معنى التوكل في الرزق فالأشهر والأصح أن الرجل الذي يمكنه التحرف الحلال المحض الذي لا تدخله كراهية ينبغي له أن يمتثل منه ما يصونه ويحمله كالاحتطاب ونحوه، وقد قرن الله تعالى الرزق بالتسبب، ومنه {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليكم رطبًا جنيًا} [مريم: 25] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الطير: «تغدو خماصًا» الحديث.
ومنه قوله: «قيدها وتوكل» وذهب بعض الناس إلى أن الرجل القوي الجلد إذا بلغ من التوكل إلى أن يدخل غارًا أو بيتًا يجهل أمره فيه ويبقى في ذكر الله متوكلًا يقول إن كان بقي لي رزق فسيأتي الله به وإن كان رزقي قد تم مت إذ ذلك حسن بالغ عند قوم، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه كان في الحرم رجل ملازم، يخرج من جيبه المرة بعد المرة بطاقته ينظر فيها ثم يصرفها ويبقى على حاله حتى مات في ذلك الموضع، فقرأت البطاقة فإذا فيها مكتوب: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} [الطور: 48].
قال القاضي أبو محمد: وهذه الطريقة لا يراها جل أهل العلم بل ينبغي أن يسعى الرجل لقدر القوت سعيًا جميلًا لا يواقع فيه شبهة، فإن تعذر عليه جميع ذلك وخرج إلى حد الاضطرار فحيئذ إن تسامح في السؤال وأكل الميتة وما أمكنه من ذلك فهو له مباح، وإن صبر وتحتسب نفسه كان في أعلى رتبة عند قوم، ومن الناس من يرى أن فرضًا عليه إبقاء رمقه وأما من يختار الإلقاء باليد- والسعي ممكن- فما كان هذا قط من خلق الرسول ولا الصحابة ولا العلماء، والله سبحانه الموفق للصواب، ومن حجج من يقول بالتوكل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «يدخل الجنة سبعون ألفًا من أمتي بلا حساب وهم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطببون وعلى ربهم يتوكلون»، وفي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لعكاشة بن محصن أن يكون منهم، فقيل ذلك لأنه عرف منه أنه معد لذلك، وقال للآخر سبقك بها عكاشة ورُدّت الدعوة، فقيل: ذلك لأنه كان منافقًا، وقيل بل عرف منه أنه لا يصح لهذه الدرجة من التوكل. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا}
قيل: في اللوح المحفوظ.
وقيل: ما أخبرنا به في كتابه من أنا إمّا أن نظفر فيكون الظفر حسنى لنا، وإما أن نقتل فتكون الشهادة أعظم حسنى لنا.
والمعنى كل شيء بقضاء وقدر.
وقد تقدّم في الأعراف أن العلم والقدر والكتاب سواء.
{هُوَ مَوْلاَنَا} أي ناصرنا.
والتوكل تفويض الأمر إليه.
وقراءة الجمهور {يصِيبَنا} نصب بلن.
وحكى أبو عبيدة أن من العرب من يجزم بها.
وقرأ طلحة بن مُصَرِّف {هل يصيبنا}.
وحكي عن أَعْيَن قاضي الرّيّ أنه قرأ {قل لن يصِيبنّا} بنون مشدّدة.
وهذا لحن؛ لا يؤكد بالنون ما كان خبرًا، ولو كان هذا في قراءة طلحة لجاز.
قال الله تعالى: {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15]. اهـ.

.قال الخازن:

{قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} يعني قل يا محمد لهؤلاء الذين يفرحون بما يصيبك من المصائب والمكروه لن يصيبنا إلا ما قدره الله لنا وعلينا وكتبه في اللوح المحفوظ لأن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة من خير وشر فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروهًا نزل به أو يجلب لنفسه نفعًا أراده لم يقدر له {هو مولانا} يعني أن الله سبحانه وتعالى هو ناصرنا وحافظنا وهو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} يعني في جميع أمورهم. اهـ.

.قال أبو حيان:

{قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون}
قرأ ابن مسعود وابن مصرف: هل يصيبنا مكان لن يصيبنا.
وقرأ ابن مصرف أيضًا وأعين قاضي الرّي: هل يصيبنا بتشديد الياء، وهو مضارع فيعل نحو: بيطر، لا مضارع فعل، إذ لو كان كذلك لكان صوّب مضاعف العين.
قالوا: صوب رأيه لما بناه على فعل، لأنه من ذوات الواو.
وقالوا: صاب يصوب ومصاوب جمع مصيبة، وبعض العرب يقول: صاب السهم يصيب، جعله من ذوات الياء، فعلى هذا يجوز أن يكون يصيبنا مضارع صيب على وزن فعل، والصيب يحتمل أن يكون كسيدوكلين.
وقال عمرو بن شقيق: سمعت أعين قاضي الري يقول: قل لن يصيبنا بتشديد النون.
قال أبو حاتم: ولا يجوز ذلك، لأن النون لا تدخل مع لن، ولو كانت لطلحة بن مصرف الحارث، لأنها مع هل.
قال تعالى: {هل يذهبن كيده ما يغيظ} انتهى.
ووجه هذه القراءة تشبيه لن بلا وبلم، وقد سمع لحاق هذه النون بلا وبلم، فلما شاركتهما لن في النفي لحقت معها نون التوكيد، وهذا توجيه شذوذ.
أي: ما أصابنا فليس منكم ولا بكم، بل الله هو الذي أصابنا وكتب أي: في اللوح المحفوظ أو في القرآن من الوعد بالنصر، ومضاعفة الأجر على المصيبة، أو ما قضى وحكم ثلاثة أقوال: هو مولانا، أي ناصرنا وحافظنا قاله الجمهور.
وقال الكلبي: أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة.
وقيل: مالكنا وسيدنا، فلهذا يتصرف كيف شاء.
فيجب الرضا بما يصدر من جهته.
وقال ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا، وأن الكافرين لا مولى لهم، فهو مولانا الذي يتولانا ونتولاه. اهـ.

.قال أبو السعود:

{قُلْ} بيانًا لبطلان ما بنَوْا عليه مسرتَهم من الاعتقاد {لَّن يُصِيبَنَا} أبدًا وقرئ هل يصيبنا وهل يصيِّبُنا من فيعل لا من فعل لأنه واويٌّ، يقال: صاب السهمُ يصوب واشتقاقُه من الصواب {إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} أي أثبته لمصلحتنا الدنيويةِ أو الأخروية من النُّصرة عليكم أو الشهادة المؤديةِ إلى النعيم الدائم {هُوَ مولانا} ناصرُنا ومتولِّي أمورِنا {وَعَلَى الله} وحده {فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} التوكلُ تفويضُ الأمر إلى الله والرضا بما فعله وإن كان ذلك بعد ترتيب المبادي العادية، والفاءُ للدلالة على السببية والأصل ليتوكلِ المؤمنون على الله، قدّم الظرفُ على الفعل لإفادة القصْرِ ثم أُدخل الفاءُ للدَلالة على استيجابه تعالى للتوكل عليه كما في قوله تعالى: {وإياى فارهبون} والجملةُ إن كانت من تمام الكلامِ المأمورِ به فإظهارُ الاسمِ الجليلِ في مقام الإضمارِ لإظهار التبرُّكِ والتلذذِ به وإن كانت مَسوقةً من قِبله تعالى أمرًا للمؤمنين بالتوكل إثرَ أمرِه عليه الصلاة والسلام بما ذكر فالأمرُ ظاهرٌ وكذا إعادةُ الأمر في قوله عز وجل: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا}.
لانقطاع حُكم الأمرِ الأولِ بالثاني وإن كان أمرَ الغائب وأما على الوجه الأولِ فهي لإبراز كمالِ العنايةِ بشأن المأمورِ به والإشعارِ بما بينه وبين ما أُمر به أولًا من الفرق في السياقِ. اهـ.

.قال الألوسي:

{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا}
{قُلْ} تبكيتا لهم {لَّن يُصِيبَنَا} أبدا {إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} أي ما اختصنا بإثباته وإيجابه من المصلحة الدنيوية أو الأخروية الكنصرة أو الشهادة المؤدية للنعيم الدائم، فالكتب بمعنى التقدير، واللام للاختصاص، وجوز أن يكون المراد بالكتب الخط في اللوح واللام للتعليل والأجل، أي لن يصيبنا إلا ما خط الله تعالى لأجلنا في اللوح ولا يتغير بموافقتكم ومخالفتكم، فتدل الآية على أن الحوادث كلها بقضاء الله تعالى وروي هذا عن الحسن.
وادعى بعضهم أنه غير مناسب للمقام وأن قوله تعالى: {هُوَ} أي ناصرنا ومتولى أمورنا يعين الأول لأنه يبين أن معنى اللام الاختصاص ويخصص الموصول بالنصر والشهادة أي لن يصيبنا إلا ذلك دون الخذلان والشقاوة كما هو مصير حالكم لأنا مؤمنون وأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم، وقد يقال: هو تعليل لما يستفاد من القول السابق من الرضا أي لن يصيبنا إلا ما كتب من خير أو شر فلا يضرنا ما أنتم عليه ونحن بما فعل الله تعالى راضون لأنه سبحانه مالكنا ونحن عبيده.
وقرأ ابن مسعود {هَلُ يُصِيبَنَا} وطلحة {هَلُ يُصِيبَنَا} بتشديد الياء من صيب الذي وزنه فيعل لا فعل بالتضعيف لأن قياسه صوب لأنه من الواوي فلا وجه لقلبها ياء بخلاف ما إذا كان صيوب على وزن فيعل لأنه إذا اجتمعت الواو والياء والأول منهما ساكن قلبت الواو ياءًا وهو قياس مطرد، وجوز الزمخشري كونه من التفعيل على لغة من قال صاب يصيب، ومنه قول الكميت:
واستبى الكاعب العقيلة إذ ** أسهمي الصائبات والصيب

{وَعَلَى الله} وحده {فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} بأن يفوضوا الأمر إليه سبحانه، ولا ينافي ذلك التشبث بالأسباب العادية إذا لم يعتمد عليها، وظاهر كلام جمع أن الجملة من تمام الكلام المأمور به، وتقديم المعمول لإفادة التخصيص كما أشرنا إليه، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لإظهار التبرك والاستلذاذ به.
ووضع المؤمنين موضع ضمير المتكلم ليؤذن بأن شأن المؤمنين اختصاص التوكل بالله تعالى، وجيء بالفاء الجزائية لتشعر بالترتب أي إذا كان لن يصيبنا إلا ما كتب الله أي خصنا الله سبحانه به من النصر أو الشهادة وأنه متولى أمرنا فلنفعل ما هو حقنا من اختصاصبه جل شأنه بالتوكل، قال الطيبي: وكأنه قوبل قول المنافقين [التوبة: 50] بهذه الفاصلة، والمعنى دأب المؤمنين أن لا يتكلوا على حزمهم وتيقظ أنفسهم كما أن دأب المنافقين ذلك بل أن يتكلوا على الله تعالى وحده ويفوضوا أمورهم إليه، ولا يبعد تفرع الكلام على قوله سبحانه: {هُوَ مولانا} كما لا يخفى، ويجوز أن تكون هذه الجملة مسوقة من قبله تعالى أمرًا للمؤمنين بالتوكل إثر أمره صلى الله عليه وسلم بما ذكر، وأمر وضع الظاهر موضع الضمير في الموضعين حينئذ ظاهر وكذا إعادة الأمر. اهـ.